طلال نحلة - مدير موقع IntelSky لرصد تحركات الطائرات العسكرية
منذ انتهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة في 8 نيسان، لم تتصرف واشنطن كطرف غادر المسرح. البيانات تقول ذلك بوضوح أكبر من التصريحات. فطائرات التزويد بالوقود جواً، وهي العمود اللوجستي لأي انتشار جوي طويل المدى، بقيت حاضرة بكثافة متصاعدة في فضاء غرب آسيا، ضمن قوس عملياتي حساس يمتد بين مضيق هرمز وشرق المتوسط ومجال الحماية الجوية المرتبط بإسرائيل.
ما يجري لا يُقرأ فقط من خلف الشاشات السياسية، ولا من تسريبات الصالونات الدبلوماسية. يُقرأ من حركة الطائرات، من نمط التكرار، من نوع المنصات، ومن توقيت الذروة. وفي هذا النوع من الملفات، البيانات لا تمنح رواية كاملة، لكنها تكشف ما تحاول السياسة غالباً تغطيته: النوايا العملياتية.
بيانات IntelSky الأخيرة الخاصة بطائرات التزويد الأمريكية تظهر انتقالاً واضحاً من نمط حضور منخفض وروتيني في النصف الثاني من أيار، إلى نمط انتشار عملياتي كثيف ابتداءً من 19 حزيران، ثم إلى قفزة حادة في 26 و27 و28 حزيران. وقد سجل يوم 28 حزيران وحده 31 طائرة فريدة حتى الساعة 17:30 UTC، مع ضرورة التنبيه إلى أن اليوم لم يكن قد انتهى بعد، ما يعني أن الرقم ناقص بطبيعته، ومع ذلك فهو الأعلى في كامل السجل.
هذه النقطة بالذات هي الأهم. عندما يكون اليوم غير مكتمل، ومع ذلك يتجاوز كل الأيام السابقة، فنحن لا نتحدث عن حركة عابرة، بل عن تصعيد في جاهزية الانتشار. ولا يصح تفسير ذلك كروتين لوجستي. التزويد الجوي لا يُكثّف بهذا الشكل إلا عندما تريد القيادة الأمريكية إبقاء القوة الجوية في وضع استعداد طويل النفس، سواء للردع، أو للحماية، أو للضربة، أو لكل ذلك معاً.
التركيبة النوعية للطائرات تزيد الصورة وضوحاً. الغالبية الساحقة من السجل تعود إلى طائرات KC-135، وهي منصة التزويد الكلاسيكية في سلاح الجو الأمريكي، بينما تظهر KC-46A بنسبة أقل ولكن ذات دلالة نوعية أعلى، لأنها منصة أحدث وأكثر مرونة في الربط بين التزويد والانتشار متعدد المهام. بكلام مباشر: واشنطن لا تضع فقط خزانات وقود في الجو. إنها تبني شبكة استمرارية عملياتية.
في السياسة، يمكن إعلان انتهاء الحرب. أما في العسكر، فالنهاية الحقيقية تُقاس بانخفاض التانكرز، وتراجع الإنذار المبكر، وانسحاب طائرات ISR، وتفكيك الجسور الجوية. ما نراه هنا هو العكس تقريباً. الحرب قد تكون توقفت بشكل مباشر، لكنها لم تُفكك كبنية عملياتية. وهذا يعني أن القرار السياسي الأمريكي لا يزال يحتفظ بخيار العودة السريعة إلى النار، أو على الأقل بخيار منع الخصم من استثمار الهدوء كمساحة مناورة.
لكن يجب التمييز بين ما تثبته البيانات وما نستنتجه منها. البيانات تثبت ازدياد عدد طائرات التزويد المرصودة، وتثبت أن 28 حزيران حتى لحظة الرصد كان يوم الذروة. فإن كثافة الظهور وتوقيت التصاعد يكفيان للقول إن واشنطن لا تعيش مرحلة استرخاء.
في الكواليس السياسية، هذه الحركة تعني أن التفاهمات القائمة لا تزال هشة. الطرف الأمريكي يريد فرض التهدئة بالقوة لا بالثقة. والطرف الإيراني يدرك أن تخفيف التصريحات لا يعني بالضرورة تخفيف الخطر.
السيناريوهات القادمة تتحدد من الأرقام لا من الخطابات.
إذا بقيت أعداد التانكرز فوق مستوى 15 إلى 20 طائرة يومياً خلال الأيام المقبلة، فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة تثبيت ردع طويلة نسبياً، لا مجرد عملية عبور مؤقتة. وإذا استمرت الذروة حول مستوى 28 حزيران أو تجاوزته، فذلك يعني أن هناك قلقاً أمريكياً جدياً من انهيار التفاهمات أو من حدث ميداني مفاجئ في هرمز. أما إذا هبطت الأرقام تدريجياً إلى أقل من 8 أو 10 طائرات يومياً لعدة أيام متتالية، فحينها فقط يمكن الحديث عن بداية تفكيك حقيقي للانتشار.
الخلاصة أن ما يجري ليست هدنة مستدامة، ولا حرباً مفتوحة. إنه وضع ثالث: هدنة عسكرية تحت مراقبة الوقود. في هذا الوضع، لا تُقاس النوايا بعدد البيانات السياسية، بل بعدد الطائرات القادرة على إبقاء السماء مشتعلة عند الحاجة.
والأيام القادمة ستكشف الاتجاه الحقيقي. إما أن نرى خفضاً واضحاً في التانكرز، وعندها تكون واشنطن قد بدأت فعلاً بإغلاق مرحلة الحرب. أو نرى استمرار التصاعد، وعندها يجب التعامل مع الهدوء الحالي كقشرة سياسية فوق جاهزية عسكرية لا تزال تعمل بكامل طاقتها.
حتى هذه اللحظة، البيانات لا تقول إن الحرب ستنتهي قريباً. البيانات تقول إن الحرب تجمّدت، لكن آلة العودة إليها بقيت جاهزة في الجو.